ليلة الزفاف.. ميثاقٌ يكتبه القلب وتصونه المودة
صوت البلد -

تشرقُ شمسُ الحياةِ الزوجيةِ بأنوارِها من أفقِ ليلةٍ يصفُها الوجدانُ بأنَّها ليلةُ العمر، تلك الليلةِ التي تختزلُ بين أطوائِها وخلفَ أستارِها طموحاتِ السنين، وتتوجُ بتمامِها مسيرةً حافلةً بالشوقِ والانتظار، إذْ إنَّها اللحظةُ الفاصلةُ التي ينتقلُ بها المرءُ من فضاءِ الفردانيةِ الضيقِ إلى رحابِ الزوجيةِ الفسيح، حيثُ تتمازجُ فيها الأرواحُ قبل الأجساد، وتُصاغُ عبرها أولى عباراتِ الحكايةِ المشتركةِ بمدادِ المودةِ والسكينة.

تُعد ليلة الزفاف بمثابة المرآة الصافية التي تعكس نضج الشريكين وقدرتهما على احتواء هيبة الموقف بوعي وحكمة؛ ففي خضم الزحام وضجيج المهنئين، يبحث القلب عن ملاذه الآمن، وتتطلع النفس إلى تلك اللحظة التي ينغلق فيها الباب على عالمين اجتمعا ليصبحا عالماً واحداً. هنا، تتجلى قيمة السكينة التي جعلها الخالق آية من آياته، فتصبح الكلمة الطيبة هي الوشاح الذي يغلف التوتر، واللمسة الحانية هي الترياق الذي يذيب رهبة البداية.

عتبة الفجر

الذكاء العاطفي في هذه الليلة يفرض على الزوجين استحضار الهدوء، وجعل الرفق قائداً لكل خطوة، فالرفق ما كان في شيء إلا زانه، ولا نُزع من شيء إلا شانه، وهي قاعدة ذهبية تضمن عبوراً آمناً نحو شاطئ الاستقرار؛ فليلة الزفاف تتجاوزُ بمضمونِها مجردَ الاحتفاءِ الشكليِّ أو البهرجةِ البصرية، لتستقرَّ في عمقِ النفسِ كحدثٍ وجوديٍّ يعيدُ تشكيلَ خارطةِ العواطفِ والمسؤوليات، واضعةً الشريكينِ وجهاً لوجه أمامَ ميثاقٍ غليظ، يقومُ على المودةِ وينتهي إلى الرحمة.

ومما لا شك فيه أن ليلة الزفاف تحمل في طياتها ملامح الثقافة الشعبية التي تتوارثها الأجيال، حيث تتشابك الزغاريد مع الدعوات الصادقة، وترتسم على وجوه الآباء والأمهات علامات الفخر الممزوجة بدموع الفراق الجميل؛ حيث إنها اللحظة التي يشعر فيها الوالدان بأن ثمرة كفاحهما قد استوت على سوقها، وأن الأمانة قد سُلمت إلى يد أمينة؛ فهذا البعد الإنساني يمنح الليلة عمقاً تراجيدياً نبيلاً، يجعل من اجتماع العائلة حول العروسين طاقة دفع معنوية، تبارك الخطوة وتشد من أزر الشريكين وهما يخطوان أولى خطواتهما في عالم المسؤولية الجسيم.

وعلى الضفة الأخرى من النهر، يبرز التحدي الاقتصادي الذي بات يلقي بظلاله على طقوس هذه الليلة، مما يستوجب وقفة واعية تنادي بضرورة “تيسير الفرح”؛ حيث إن المغالاة في المظاهر الاستهلاكية قد تسرق من ليلة الزفاف جوهرها الروحي، وتحولها من محطة للسعادة إلى عبء يثقل كاهل الشاب في مقتبل حياته. وهنا يأتي دور القدوة في المجتمع لترسيخ قيم القناعة، والتأكيد على أن قيمة الليلة تكمن في “الجمع بين قلبين” وليس في حجم الإنفاق الباذخ الذي قد يتبخر أثره مع أول فجر يطل على البيت الجديد، تاركاً خلفه ديوناً تعكر صفو الود.

وفي ظل المتغيرات العصرية، يبرز مفهوم “التكيف الاجتماعي” كعامل محوري في نجاح ليلة الزفاف وما بعدها. فالتفاهم على تفاصيل الحياة اليومية، واحترام المساحات الشخصية، يبدأ تدشينه من الساعات الأولى لهذا اللقاء؛ إن قدرة الزوجين على نسج لغة حوار مشتركة، بعيداً عن الصور النمطية الجاهزة، هي ما يمنح ليلتهما خصوصية تتفرد بها قصتهما عن سائر القصص؛ حيث إنها رحلة اكتشاف متبادل، تبدأ بلمسة وتنتهي بعهد وثيق، يتعهد فيه الطرفان بأن يكون كل منهما للآخر سكنًا وأمانًا، وظلاً ظليلاً في هجير الحياة وتقلبات الأيام.

وعلى صعيد الوعي الاجتماعي، تمثل هذه الليلة حصناً من الخصوصية يجب الذود عنه بكل قوة؛ ففي زمن باتت فيه الأضواء تطارد أدق التفاصيل، تبرز أهمية صون أسرار البيوت، والبدء من حيث تنتهي أعين الناس، حيث إن بناء البيت السعيد يبدأ من تلك اللحظات التي يدرك فيها الزوجان أن ما يدور بينهما هو ملك خالص لهما، لا يقبل القسمة على الآخرين ولا يحتمل الوشاية أو البوح؛ فهذه الخصوصية هي التي تمنح العلاقة هيبتها وتجعل من “عش الزوجية” مملكة محاطة بأسوار الثقة والوفاء، بعيداً عن ضوضاء “السوشيال ميديا” التي قد تنتهك قدسية اللحظة بدعوى المشاركة.



إقرأ المزيد