المصري اليوم - 1/6/2026 9:26:06 AM - GMT (+2 )
ينطلق المؤلف من فرضية مركزية مفادها أن التوجه الإسرائيلى نحو أفريقيا لم يكن خيارًا تكتيكيًا عابرًا، بل كان جزءًا أصيلًا من عقيدة الأمن القومى الإسرائيلى، حيث شكّلت القارة الأفريقية منذ الخمسينيات مجالًا حيويًا لتعويض محدودية الجغرافيا الإسرائيلية، ووسيلة للنفاذ إلى مراكز التصويت فى المنظمات الدولية، وميدانًا خصبًا لاختبار أدوات النفوذ السياسى والاقتصادى والعسكرى. ويشير الكاتب بوضوح إلى أن «إسرائيل أدركت مبكرًا أن معركتها لا تُحسم فقط فى ساحات القتال، وإنما فى عواصم العالم الثالث، حيث تتشكل الكتل التصويتية المؤثرة فى الأمم المتحدة».
يسرد الكتاب بدايات الاختراق الإسرائيلى لأفريقيا فى سياق مرحلة التحرر الوطنى، مستفيدة من موجة الاستقلال التى اجتاحت القارة، ومن حاجة الدول الأفريقية الوليدة إلى الخبرات الفنية والتنموية. وفى هذا السياق، يبرز المؤلف كيف قدمت إسرائيل نفسها نموذجًا لدولة صغيرة نجحت فى بناء مؤسسات حديثة، واستخدمت هذا الخطاب لتسويق خبراتها فى مجالات الزراعة، والرى، والتنمية الريفية، وبناء الكوادر الإدارية. ويقتبس الكاتب من الكتاب قوله: «لم تدخل إسرائيل أفريقيا من بوابة السياسة أولًا، بل من بوابة التنمية، حيث بدت المساعدات الفنية أداة ناعمة لتأسيس حضور سياسى دائم».
ولا يغفل حسين حمودة مصطفى الإشارة إلى البعد الاستخباراتى والعسكرى فى هذا التغلغل، موضحًا أن التعاون الأمنى كان ركنًا أساسيًا فى العلاقات الإسرائيلية الأفريقية، خاصة فى دول القرن الأفريقى وشرق القارة. ويؤكد أن إسرائيل لعبت أدوارًا مؤثرة فى تدريب قوات الأمن، وتقديم السلاح، وبناء شبكات استخباراتية، مستفيدة من هشاشة بعض الأنظمة، والصراعات الداخلية التى شهدتها دول أفريقية عدة. ويقول المؤلف: «تحولت المساعدات العسكرية الإسرائيلية من مجرد دعم تقنى إلى أداة لإعادة تشكيل موازين القوى داخل بعض الدول الأفريقية».
ويخصص الكتاب مساحة مهمة لتحليل تأثير الصراع العربى– الإسرائيلى على مسار العلاقات الإسرائيلية الأفريقية، موضحًا كيف شهدت هذه العلاقات تراجعًا ملحوظًا بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣، نتيجة للضغوط العربية واستخدام سلاح النفط، حيث قطعت غالبية الدول الأفريقية علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل. غير أن الكاتب يرى أن هذا التراجع لم يكن نهاية للحضور الإسرائيلى، بل مرحلة إعادة تموضع، حيث استمرت بعض أشكال التعاون غير المعلن، خاصة فى المجالات الأمنية والاستخباراتية. ويشير إلى أن «القطيعة الدبلوماسية لم تعنِ القطيعة الاستراتيجية، فإسرائيل احتفظت بخيوط اتصال متعددة، تنتظر لحظة العودة».
ويتتبع المؤلف مسار العودة الإسرائيلية التدريجية إلى أفريقيا منذ أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، مستفيدة من انتهاء الحرب الباردة، وتراجع الدعم العربى للقضايا الأفريقية، فضلًا عن توقيع اتفاقيات السلام العربية– الإسرائيلية. ويبرز الكتاب كيف أعادت إسرائيل صياغة خطابها تجاه أفريقيا، مركزًا على الشراكة الاقتصادية، ومكافحة الإرهاب، ونقل التكنولوجيا، مع تصاعد الاهتمام الأفريقى بقضايا الأمن والتنمية المستدامة. ويؤكد الكاتب أن «إسرائيل نجحت فى إعادة تسويق نفسها كشريك عملى، لا كطرف أيديولوجى، مستفيدة من التحولات العميقة فى بنية النظام الدولى».
ويمثل ملف مياه النيل والقرن الأفريقى أحد المحاور اللافتة فى الكتاب، حيث يناقش المؤلف الدور الإسرائيلى فى هذه المنطقة الحساسة، وعلاقته بالمصالح العربية، خاصة المصرية. ويشير إلى أن إسرائيل سعت إلى تعزيز وجودها فى دول منابع النيل، سواء عبر التعاون الفنى أو الدعم السياسى، فى إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى امتلاك أوراق ضغط غير مباشرة فى مواجهة الدول العربية. ويقتبس الكاتب عبارة دالة: «المياه فى العقل الاستراتيجى الإسرائيلى ليست موردًا طبيعيًا فحسب، بل أداة نفوذ سياسى من الدرجة الأولى».
كما يتناول الكتاب البعد الاقتصادى للعلاقات الإسرائيلية الأفريقية، موضحًا أن الشركات الإسرائيلية لعبت دورًا محوريًا فى مجالات التعدين، والطاقة، والزراعة، والاتصالات، وأن هذا الحضور الاقتصادى غالبًا ما كان مرتبطًا بدعم سياسى أو أمنى. ويشير المؤلف إلى أن «الاقتصاد كان الوجه الأكثر قبولًا للحضور الإسرائيلى، لكنه فى كثير من الأحيان كان يحمل فى طياته أهدافًا تتجاوز الربح التجارى».
ولا يغفل حسين حمودة مصطفى نقد هذا الدور، سواء من زاوية أفريقية أو عربية، إذ يوضح أن السياسات الإسرائيلية كثيرًا ما أسهمت فى تعميق التبعية الاقتصادية، أو فى تأجيج بعض الصراعات الداخلية، من خلال الانحياز إلى أطراف بعينها. ويؤكد أن فهم الدور الإسرائيلى فى أفريقيا يتطلب النظر إليه ضمن شبكة المصالح الدولية والإقليمية، وليس باعتباره فاعلًا منفردًا. ويقول فى هذا السياق: «إسرائيل ليست قوة معزولة فى أفريقيا، بل جزء من منظومة أوسع تتقاطع فيها المصالح الغربية والإقليمية».
فى مجمله، يقدم كتاب «إسرائيل فى أفريقيا» عرضًا تحليليًا متماسكًا، يجمع بين السرد التاريخى والتحليل السياسى، ويعتمد على قراءة نقدية للوثائق والوقائع، بعيدًا عن التبسيط أو الخطاب الدعائى. ويبرز الكتاب أهمية القارة الأفريقية فى معادلات الصراع فى الشرق الأوسط، داعيًا إلى ضرورة إعادة الاهتمام العربى والأفريقى المتبادل، وعدم ترك الساحة خالية لقوى خارجية تستثمر فى الفراغ. ويختتم المؤلف طرحه بالتأكيد على أن «أفريقيا ستظل ساحة مفتوحة للصراع على النفوذ، ومن لا يملك رؤية واضحة تجاهها، سيجد نفسه خارج معادلات التأثير».
بهذا المعنى، لا يُعد الكتاب مجرد دراسة عن إسرائيل فى أفريقيا، بل نافذة لفهم جانب مهم من التفاعلات الدولية فى عالم ما بعد الاستعمار، ودعوة لإعادة قراءة الجغرافيا السياسية للقارة السمراء بوصفها فاعلًا مؤثرًا لا هامشًا تابعًا.
إقرأ المزيد


