«إبراهيم أصلان».. من «بحيرة المساء» الهادئة إلى صخب «الكيت كات»
المصري اليوم -

إبراهيم أصلان

إبراهيم أصلان

العلاقة بين الأدب والسينما متجذرة وعميقة، فكثيرًا ما يكون نجاح عمل سينمائى مقتبس من نص أدبى هو الدافع القوى للبحث عن الرواية الأصلية وقراءتها كاملة. هذا التأثير البالغ، والذى كان له أثره فى شهرة الأعمال الأدبية وأصحابها لم يقتصر على القامات الأدبية الكبيرة، مثل نجيب محفوظ، وإحسان عبدالقدوس، ويوسف إدريس، وعبدالحميد جودة السحار، بل امتد ليلامس مسيرة الكاتب والأديب إبراهيم أصلان أيضًا.

قد يغيب عن الكثيرين أن فيلم «الكيت كات»، الذى يُعد من أيقونات السينما المصرية، ودرة أعمال فيلسوف السينما المخرج داود عبدالسيد، الذى رحل عن عالمنا مؤخرًا، مأخوذ عن رواية «مالك الحزين» للأديب الكبير إبراهيم أصلان. وقد شكل تحويل هذه الرواية إلى فيلم ذائع الصيت نقطة تحول حقيقية فى مسيرة أصلان، حيث حصل على شهرة واسعة النطاق، وأدى حتمًا إلى زيادة مبيعات الرواية بشكل كبير جدًا.

غلاف الكتاب

بالفعل حققت رواية «مالك الحزين» نجاحًا لافتًا للنظر، مما رفع اسم إبراهيم أصلان عاليًا فى الأوساط الثقافية وبين جمهور لم يكن معتادًا على اسمه بسبب ندرة أعماله واختياره الابتعاد عن الأضواء الإعلامية، كما لفتت انتباه المخرجين والمنتجين لتحويل كنوزه الأدبية إلى أعمال درامية وسينمائية متتالية. كان فى مقدمتهم المخرج المصرى الكبير داود عبدالسيد، الذى قرر تحويل الرواية إلى فيلم سينمائى خالد حمل عنوان «الكيت كات». وبفضل هذا الزخم، توالت الاقتباسات السينمائية لأعمال أصلان، ثم توالت أعماله فى السينما، ومنها: فيلم «رسائل البحر»، و«عصافير النيل»، و«ولد وبنت»، وهو ما يعنى لنا أن السينما صنعت من إبراهيم أصلان نجمًا جماهيريًا.

غلاف الكتاب

نتتبع فى هذه الجولة مسيرته الثرية، بدايةً من مجموعته القصصية الأولى «بحيرة المساء»، مرورًا بروايته الأشهر «مالك الحزين» التى تحولت إلى أيقونة سينمائية خالدة، وصولًا إلى آخر ما كتبه من إبداعات مثل «خلوة الغلبان»، وانتهاءً بروايته «صديق قديم جدًّا» التى نُشِرَت بعد رحيله. لنكتشف فرادة أسلوبه وعمقه الفنى الذى ميز مشروعه الأدبى كاملًا.

احتل الأديب إبراهيم أصلان مكانة متفردة بين مجايليه من كُتاب جيل الستينيات، وهو أحد رواد كتابة الرواية والقصة العربية فى تاريخها الحديث، وممثل بارز لتيار «الواقعية الانطباعية». أشاد بريادته وأفاض فى الكتابة عنه كثير من الأقلام والدراسات النقدية والكتب، وأجمع النقاد على عبقريته وتميزه ونبوغه وتفرده. لم يكن تميزه يكمن فى مجاراة التيار، بل فى قدرته على إنتاج شكل أدبى مغاير تمامًا؛ فقد كان يُغرد خارج السرب، ويختار عالمه القصصى بعناية فائقة وتدقيق شديد.

وُلد إبراهيم أصلان فى قرية «شبشير الحصة» التابعة لمركز طنطا بمحافظة الغربية، غير أن نشأته وتكوينه الحقيقى فى القاهرة، وتحديدًا فى حى إمبابة والكيت كات. وقد ظل الحضور الطاغى لهذين المكانين محورًا أساسيًا فى كل أعماله الأدبية، بدءًا من مجموعته القصصية الأولى «بحيرة المساء»، مرورًا بروايته الأشهر «مالك الحزين»، وصولًا إلى كتاب «حكايات فضل الله عثمان»، وروايته «عصافير النيل». وقد عاش فى الكيت كات لفترة طويلة قبل أن ينتقل للوراق ثم المقطم.

على صعيد التعليم، لم يحصل أصلان على مسار دراسى منتظم منذ الصغر؛ فقد التحق بالكُتّاب فى بداياته، ثم تنقل بين عدة مدارس، واستقر لفترة وجيزة فى مدرسة لتعليم فنون السجاد قبل أن يتركها متجهًا إلى الدراسة بمدرسة صناعية.

بدأت علاقة إبراهيم أصلان بالقراءة مبكرًا، ونشر أعماله منذ البداية فى مجلات وصحف مثل مجلة «المجلة» و«مواقف» وغيرهما. لكن المبادرة الأبرز كانت من المجلة الطليعية «جاليرى 68»، التى لفتت الأنظار إليه بقوة عندما نشرت ملفًا خاصًا وشاملًا عنه. كان هذا الملف هو الوحيد من نوعه الذى نشرته المجلة، وكان يضم ثلاث قصص جديدة لأصلان ودراستين نقديتين عنه. لهذا السبب، عندما صدرت مجموعته القصصية الأولى «بحيرة المساء» عام 1971م، كان أصلان وجهًا معروفًا نسبيًا فى الأوساط الأدبية، واستُقبلت تلك المجموعة استقبالًا مذهلًا، وكُتبت حولها عشرات المقالات والتعليقات النقدية.

ثم بدأت علاقته بالكتابة الإبداعية الفعلية، حيث نشر أول قصة له فى عام 1965م. التحق إبراهيم أصلان فى بداية حياته بهيئة البريد وعمل لفترة كبوسطجى، ثم فى أحد المكاتب المخصصة للبريد، وهى التجربة التى ألهمته مجموعته القصصية «وردية ليل». فى فترة عمله بالهيئة، فى الستينيات، حاول علاء الديب استقطابه للعمل فى «صباح الخير» صحفيًا، بدلًا من وظيفته بالتلغراف، واستكتبه ونشر له مقالًا عن رواية «السائرون نيامًا» لسعد مكاوى فى 9 نوفمبر 67، لكن أصلان فضَّل الاستمرار فى التلغراف.

تميزت حياة أصلان بعلاقاته الأدبية، وأبرزها صداقته القوية مع الأديب يحيى حقى، الذى كان بمثابة مرشد له. نشر العديد من أعماله الأولى فى مجلة «المجلة»، التى كان حقى رئيس تحريرها آنذاك. حظيت أعماله القصصية بترحيب كبير منذ نشرها فى أواخر الستينيات، بدءًا من مجموعة «بحيرة المساء». وتوالت الأعمال بعد ذلك إلا أنها كانت شديدة الندرة، حتى كانت روايته «مالك الحزين»، وهى أولى رواياته، أدرجت ضمن أفضل مائة رواية فى الأدب العربى وحققت له شهرة أكبر. وانتدب للعمل نائبًا لرئيس تحرير سلسلة (مختارات فصول من سبتمبر 1987 إلى نهاية 1995)، ثم رئيسًا لتحرير سلسلة (آفاق الكتابة) التى تصدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة من 1997 إلى 1999، وكان يعمل مسؤولًا عن القسم الثقافى بجريدة الحياة اللندنية (مكتب القاهرة) منذ عام 1992 حتى وفاته. عمل فى أوائل التسعينيات رئيسًا للقسم الأدبى بجريدة الحياة اللندنية إلى جانب رئاسته تحرير إحدى السلاسل الأدبية بالهيئة العامة لقصور الثقافة إلا أنه استقال منها إثر ضجة رواية وليمة لأعشاب البحر، للروائى السورى حيدر حيدر. وتوفى فى السابع من يناير عام 2012 عن عمر يناهز 77 عامًا.

وقد نال العديد من الجوائز، منها: جائزة طه حسين من جامعة المنيا عن رواية «مالك الجزين» 1989، جائزة ساويرس فى الرواية عن حكايات فضل الله عثمان 2006. وكانت آخرها جائزة النيل للآداب. ومن أبرز أعماله القصصية: بحيرة المساء (1971)، يوسف والرداء (1987)، شىء من هذا القبيل (2007)، حكايات من فضل الله عثمان (2003)، حجرتان وصالة (2010).. وأما الأعمال الروائية: مالك الحزين (1983)، عصافير النيل (1999). وأما الأعمال السيرية: خلوة الغلبان (2003).

لم يتوقف تأثير إبراهيم أصلان عند حدود اللغة العربية، فقد تُرجمت أعماله للعديد من اللغات العالمية.

استطاع أصلان، من خلال أول أعماله «بحيرة المساء» (1971)، أن يلفت انتباه نخبة من المثقفين والأدباء والنقاد البارزين، مثل يحيى حقى، وصلاح عبدالصبور، وغالى شكرى، وإبراهيم فتحى، وجميل عطية، وإبراهيم منصور، وغيرهم. أثارت المجموعة مناقشات عديدة، وكان الشاعر الراحل صلاح عبدالصبور أول من قدمها. مثّلت «بحيرة المساء» نقطة تحول، إذ مهدت لأعماله الروائية الكبرى. كانت هذه المجموعة بمثابة اللبنة الأولى فى مشروعه الأدبى، حيث رسم ملامح أسلوبه الفريد: لغة مكثفة، وصوت خافت لكنه عميق، يرصد التفاصيل الدقيقة لحياة البسطاء والمهمشين الذين يعيشون على هوامش المدينة الصاخبة.

جاءت نقطة التحول الكبرى مع روايته الأيقونية «مالك الحزين» عام 1983. هى بوابة العبور عبر المخرج داود عبدالسيد فى فيلم «الكيت كات» (1991).. لم تكن الرواية مجرد نص أدبى، بل تحولت إلى ظاهرة ثقافية. نجح أصلان فى خلق عالم حى متكامل فى منطقة «الكيت كات» الشعبية بإمبابة، بشخوصه، وعلى رأسها «الشيخ حسنى» الأعمى العاشق للحياة. من هنا شق أدب إبراهيم أصلان طريقه نحو السينما.

خاتمة الرحلة فى آخر ما كتبه «خلوة الغلبان» (2003)، فقد أوضح أصلان فلسفته قائلًا: «هى ليست سيرة بالمعنى التقليدى للسيرة الذاتية، لكنها مشاهد ولقاءات وشخصيات منتقاة من الذاكرة احتفظت بها زمنًا طويلًا». وأضاف متحدثًا عن منهجه الفنى فى الابتعاد عن الالتصاق المباشر بالواقع: «تعلمت من صديقى الشاعر الراحل عبدالوهاب البياتى أن أضع مسافة بينى وبين الواقع كى أراه وأحيط به، وهذه المسافة تحمينى من الانكسار». شخصيات «خلوة الغلبان» هى شخصيات التقاها وعاشرها بحكم الجيرة فى مناطق الكيت كات، وهى تجربة فنية تتضمن خمسة وعشرين مشهدًا، كل مشهد يدور حول شخصية لتقديم حالة إنسانية جديدة فى شكل قصصى مبتكر.



إقرأ المزيد