ترجمات| 75عامًا على رحيل «سنكلير لويس».. مرآته الساخرة «بابِت» تكشف الهوس الأمريكي بالمادية والترويج
المصري اليوم -

«سنكلير لويس» هو أحد عمالقة الأدب الأمريكيين.. حفر اسمه كأول أمريكى يفوز بجائزة نوبل فى الأدب عام 1930 تقديرًا لأسلوبه الوصفى الحيوى وقدرته على ابتكار شخصيات جديدة بأسلوب فكاهى وساخر. اشتهر لويس بأعماله الساخرة التى وجه من خلالها انتقادًا لاذعًا للمشكلات الاجتماعية فى عصره. من أبرز رواياته «آرو سميث»، التى فاز عنها بجائزة بوليتزر عام 1926، لكنه رفضها، ورواية «الشارع الرئيسى» (1920)، التى مثلت نقلة نوعية فى الأدب الأمريكى لما تحمله هذا العمل انتقادًا لاذعًا للبلاد.

غلاف الكتاب

بعد فوزه بجائزة نوبل، واصل لويس إنتاجه الغزير، فكتب إحدى عشرة رواية أخرى، نُشرت عشر منها خلال حياته، من بين أعماله البارزة فى هذه الفترة «لن يحدث هنا» (1935) التى تتناول انتخاب فاشى متعصب، ينشر مشاعر معادية للحياة، رئيسًا للولايات المتحدة.. ظل لويس شخصية أدبية محتفى حتى بعد مرور 75 عامًا على رحيله، إذ توفى فى روما عام 1951 عن عمر يناهز الخامسة والستين عامًا.

وُلد هارى سنكلير لويس فى السابع من فبراير عام 1885 فى سوك سنتر، قرية براريّة فى مينيسوتا، فى أمريكا، ابنًا لطبيب ريفى. نشأ فى كنف والده وشقيقين، وزوجة أبيه بعد وفاة والدته وهو فى السادسة من عمره. كان منذ صغره قارئًا نهمًا، ومدوّنًا فى مذكراته. تلقى تعليمه المبكر فى المدارس الحكومية المحلية قبل أن ينتقل شرقًا للدراسة فى جامعة ييل، حيث حصل على درجة البكالوريوس عام 1908، وشهدت مجلة الجامعة الأدبية نشر أولى قصصه القصيرة وقصائده.

تزوج مرتين ورُزق بابن من كلتيهما. استخدم خلفيته الجغرافية والثقافية فى كتاباته، حيث جعل أبطال بعض رواياته من أصول إسكندنافية، مثل رواية «درب الصقر» و«آرو سميث».

بدأ لويس مسيرته الأدبية بنشر أول أعماله «هايك والطائرة»، وهى رواية بوليسية ظهرت فى عام 1912 تحت الاسم المستعار «توم جراهام». وفى عام 1914، ظهرت أول رواية جادة نُشرت باسمه وهى «صاحبنا السيد رن»، واشتهر لويس بروايته «الشارع الرئيسى» (1920) والتى حققت نجاحًا كبيرًا، لكنها لم تفز بجائزة بوليتزر، الأمر الذى خيّب أمل لويس بشدة لدرجة أنه رفض الجائزة عندما مُنحت لروايته «آرو سميث» عام 1925. توفى لويس فى روما فى العاشر من يناير عام 1951، عن عمر يناهز 65 عامًا، نتيجة إدمانه الشديد على الكحول. تم حرق جثمانه ودفن رفاته فى مقبرة جرينوود فى سوك سنتر، بمينيسوتا. نُشرت روايته الأخيرة «عالم واسع جدًا» (1951) بعد وفاته.

تُعد رواية «بابت»، التى نُشرت عام 1922، أشهر أعمال سنكلير لويس على الإطلاق. قدم لويس فى هذا العمل نقدًا ساخرًا ولاذعًا للثقافة التجارية الأمريكية السائدة والهوس بالترويج المفرط والمادية فى عشرينيات القرن الماضى.

حظيت «بابت» بترحيب كبير من النقاد المؤيدين الذين أشادوا ببصيرة لويس الثاقبة، إلا أنها واجهت فى الوقت نفسه انتقادات شديدة واتهامات بالمبالغة فى تصوير المجتمع. على الرغم من هذا النقد الشديد، لم تؤثر الملاحظات السلبية على شعبية الرواية وقبولها الجماهيرى. فقد حققت «بابت» نجاحًا تجاريًا فوريًا وملحوظًا، إذ بيع ما يقرب من 141 ألف نسخة منها فى الولايات المتحدة خلال عام نشرها الأول وحده. تم تحويل رواية «بابت» إلى فيلمين، كان أول اقتباس فيلمًا صامتًا عام 1924 من بطولة ويلارد لويس فى دور «جورج. ف»، أما الفيلم الثانى فكان فيلمًا ناطقًا من إنتاج عام 1934 من بطولة جاى كيبى.

تدور أحداث القصة فى بلدة زينيث الخيالية فى الغرب الأوسط الأمريكى، وتجرى أحداثها حول حياة «جورج. ف بابت»، الرجل البدين الأخرق، رجل العقارات الصاخب، الفظ، القلق، المولع بالأجهزة الإلكترونية، ناجح يعيش فى مدينة زينيث الخيالية. تصور القصة بوضوح سعى «بابت» وراء الحلم الأمريكى وسط ضغوط التوافق والتوقعات المجتمعية. فى البداية، يُصوَّر «بابت» كرجل نموذجى من الطبقة المتوسطة، يستمتع بنمطية حياته، من منزله إلى روتينه الصباحى. «بابت» شخصية اجتماعية، يفكر ويشعر مع الحشد. يحيطه لويس بمجموعة من الشخصيات الأمريكية المألوفة- رجال أعمال صغار، أعضاء فى نوادى الروتارى، أعضاء فى نوادى الإلكس، داعمون، مؤيدون للمسيحية الإنجيلية. فى مشاهد ساخرة لاذعة لغداءات النوادى، وخطابات ما بعد العشاء، ومؤتمرات الجمعيات التجارية، ورحلات الصيد، ولجان مدارس الأحد، وبينما يتنقل بين علاقاته المهنية والشخصية، يتصارع «بابت» مع مشاعر الملل وخيبة الأمل.

على امتداد أحداث الرواية، يمر «بابت» بلحظات تأمل ذاتى، حيث يبدأ بالتساؤل عن قيمة وسطحية وجوده. تقوده محاولاته لاكتشاف ذاته إلى تحديات ضد الأعراف الاجتماعية، لكنه يجد نفسه فى نهاية المطاف ممزقًا بين رؤاه الجديدة وضغوط التوافق الاجتماعى عند عودته إلى زينيث. ومع تقدم الرواية، تُبرز رحلة «بابت» موضوعات الفردية، وتعقيدات الصداقة، والتوتر بين الرغبات الشخصية ومتطلبات المجتمع.

فى نهاية المطاف، تقدم رواية «بابت» نقدًا للثقافة الأمريكية فى أوائل القرن العشرين، مستكشفةً صراعات رجل يسعى إلى الأصالة فى عالم يُعلى من شأن التوافق الاجتماعى. يعيد سنكلير لويس إنتاج حالة عدم الاستقرار الصاخبة للثقافة التجارية الأمريكية.

تعتبر «بابت» أفضل رواية للويس، وقد خلقت هذه السخرية من المشهد الأمريكى ضجة كبيرة عند نشرها، وقد أصبح اسم «بابت» مرادفًا لرضا الطبقة الوسطى عن ذاتها. شعور «بابت» بالضيق ومحدودية وجوده كشفا التصور الخادع عن النجاح. وتعكس قصته طبيعة هذا المجتمع الملتزم بتقاليد وأعراف تعلى من شأن الحفاظ على الثروة والمكانة الاجتماعية إلى حد يؤدى بالأفراد إلى أن يفقدوا أنفسهم.

«بابت» من أهم الأعمال التى تصور صراع البشر مع آلة الحياة الحديثة فى القرن العشرين. رواية ممتعة، تقدم صورة قوية عن تقاليد وأعراف المجتمع الحديث الذى يعتبر أن النجاح هو تكديس الثروة والخضوع للتقاليد التى يفرضها نظام اجتماعى يقصى كل من يتمرد عليه.



إقرأ المزيد