نهاية مريرة لرونالدو.. الأسطورة الذي غيّر وجه كرة القدم البرتغالية
الشروق نيوز -

محمد جلال
نشر في: الجمعة 6 نوفمبر 2026 - 11:35 ص | آخر تحديث: الجمعة 6 نوفمبر 2026 - 11:35 ص

غادر ليونيل ميسي، المنافس القديم لكريستيانو رونالدو، منتخب الأرجنتين قبل أقل من شهر، وسط تحية وتقدير كبيرين من جماهير بلاده، لكن أسطورة البرتغال اختار طريقًا مختلفًا، وربما كان من الصعب أن تنتهي رحلته الدولية بطريقة أخرى.

أعلن كريستيانو رونالدو، البالغ من العمر 41 عامًا، اعتزاله اللعب الدولي بعد مسيرة امتدت 23 عامًا، لكن قراره جاء أيضًا في أعقاب خلاف مع مدربه جورجي جيسوس، انتهى بفرض عقوبة إيقاف لمدة 30 يومًا، كان قد نفذها بالفعل، وغرامة مالية بلغت 255 يورو.

وجاءت العقوبة بسبب مغادرة المهاجم البرتغالي معسكر المنتخب دون الحصول على إذن، بعدما أبقاه جيسوس على مقاعد البدلاء في إحدى المباريات، وأبلغه بأنه لا ينوي الاعتماد عليه أساسيًا في المواجهة التالية، ليقرر رونالدو مغادرة المعسكر والعودة إلى منزله.

وكانت آخر مشاركة لرونالدو بقميص المنتخب البرتغالي يوم 24 سبتمبر أمام ويلز، لينهي مسيرته الدولية برصيد 146 هدفًا خلال 234 مباراة.

وعقب إعلان الاعتزال، انتشرت في البرتغال رسائل الشكر والتقدير للنجم المخضرم، باعتباره سفيرًا عالميًا لكرة القدم ومصدر إلهام لملايين الأشخاص، لكن الطريقة التي انتهت بها الرحلة تركت مذاقًا مريرًا لدى كثيرين.

وكان من الممكن أن يظهر رونالدو في القائمة المقبلة للمنتخب، خاصة أن جيسوس أكد أن الباب لا يزال مفتوحًا أمامه، وأن القرار النهائي يعود للاعب نفسه. لكن المؤكد أن النجم البرتغالي لم يعد لاعبًا مضمونًا في التشكيل الأساسي، وهو وضع لم يكن رونالدو يتقبله بسهولة طوال مسيرته.

هل كان اعتزال رونالدو مجرد نوبة غضب؟

إلى حد ما، نعم. فقد تصرف رونالدو بالطريقة المعتادة عندما يشعر بأن أحد المدربين يشكك في مكانته داخل الفريق، لكن وصف ما حدث بأنه مجرد نوبة غضب يتجاهل حجم التغييرات التي طرأت على شخصيته وأسلوب تعامله مع المنتخب على مدار سنوات طويلة.

وتكررت مثل هذه المواقف مع معظم المدربين الذين تولوا قيادة البرتغال، إذ شهدت علاقته بهم خلافات وصدامات، لكنها تضمنت أيضًا لحظات من الانسجام والتفاهم مع المدربين وزملائه، وهي تفاصيل تساعد على فهم الطريقة التي انتهت بها رحلته الدولية.

بداية مختلفة.. وموهبة تحتاج إلى الانضباط

عندما انضم رونالدو إلى المنتخب البرتغالي للمرة الأولى وهو لاعب شاب، كان يصل إلى المعسكر مرتديًا قبعة بيسبول مقلوبة، ونظارة شمسية ضخمة، وسماعات أذن مرتفعة الصوت إلى درجة يمكن سماعها من مسافة بعيدة.

وكان يرفض خلع قبعته حتى أثناء تناول الطعام بجوار لاعبين أصحاب خبرات كبيرة، مثل لويس فيجو وروي كوستا.

ورغم أن المدرب البرازيلي لويز فيليبي سكولاري كان يرى فيه موهبة استثنائية، فإنه اعتبره لاعبًا غير ناضج ومهووسًا باستعراض نفسه، لذلك وجه إليه انتقادات علنية، قبل أن يخبره على انفراد بأنه إذا نجح في تغيير سلوكه، فسيصبح قائدًا للبرتغال يومًا ما.

دموع يورو 2004.. أول صدمة كبرى

جاءت أولى خيبات الأمل الكبرى لرونالدو مبكرًا، وكانت على أرض بلاده.

ففي سن 19 عامًا، شارك في نهائي كأس الأمم الأوروبية 2004 على ملعب دا لوز في لشبونة، وسط جماهير برتغالية كانت تعتقد أن اللقب أصبح قريبًا من منتخبها.

لكن هدفًا وحيدًا سجله أنجيلوس خاريستياس بضربة رأس منح اليونان، التي لم تكن مرشحة للفوز، انتصارًا تاريخيًا على أصحاب الأرض.

ومع صافرة النهاية، لم يتمكن رونالدو من حبس دموعه، لتنتشر صورة اللاعب الشاب وهو يبكي على أرضية ملعب بلاده في مختلف أنحاء العالم.

كانت خسارة مؤلمة علمته مبكرًا حجم المعاناة التي تصاحب خسارة النهائيات، وزرعت داخله رغبة كبيرة في تحقيق البطولات لم تتوقف طوال مسيرته.

وفي ذلك الوقت، كان لويس فيجو يرتدي القميص رقم 7، لذلك حصل رونالدو على الرقم 17، وساعده فيجو على التأقلم مع أجواء المنتخب، لكنه لم يمنحه مكانته بسهولة.

وعندما اعتزل فيجو اللعب الدولي عام 2006، انتقل القميص رقم 7 إلى رونالدو، وأصبحت قيادة المنتخب تدريجيًا مسؤولية النجم الشاب.

وفاة والده.. والمنتخب يتحول إلى عائلة

في سبتمبر 2005، وقبل مواجهة روسيا في التصفيات، توجه سكولاري وفيجو إلى غرفة رونالدو لإبلاغه بوفاة والده.

وعرض المدرب البرازيلي عليه العودة إلى منزله، لكنه اختار الاستمرار مع المنتخب وخوض المباراة، وطلب من زملائه التعامل معه بصورة طبيعية، وقضى بعض الوقت داخل غرفة الملابس يستعرض مهاراته بالكرة.

كانت تلك طريقته في التعامل مع وفاة والده، الذي عانى من إدمان الكحول، رغم أن رحيله كان متوقعًا، فإنه مثل صدمة مؤلمة للنجم البرتغالي.

وبعد سنوات، وصف رونالدو سكولاري بأنه بمثابة الأب بالنسبة إليه، وهو ما يعكس مدى التحول الذي حدث في علاقته بالمنتخب، الذي أصبح بالنسبة إليه مكانًا يمنحه الدعم والتماسك في الأوقات الصعبة.

صدام مع كيروش.. نفوذ رونالدو يتجاوز الملعب

لم تسر العلاقة دائمًا بهذا القدر من الانسجام، إذ شهدت فترة المدرب كارلوس كيروش توترًا واضحًا.

وعقب خروج البرتغال من كأس العالم 2010 أمام إسبانيا، وعندما طُلب من رونالدو تفسير الأداء الضعيف للمنتخب، رد على الصحفيين قائلًا: «اسألوا المدرب».

وكان نفوذ رونالدو داخل المعسكر قد أصبح كبيرًا إلى درجة أنه بدأ يؤثر في الروتين اليومي والعادات داخل الفريق، وهو ما جعل كيروش يشعر بأن سلطته الفنية باتت موضع تشكيك.

ويرى عالم الاجتماع جواو نونو كويلو أن فهم مكانة رونالدو لدى البرتغاليين يتطلب النظر إلى العلاقة بين المنتخب والهوية الوطنية للبلاد، ورغبة البرتغال في أن تحظى بالاعتراف والتقدير على المستوى الدولي.

ففي سنوات عانت خلالها البلاد من أزمات اقتصادية وتراجع الثقة بالنفس، أصبح وجود منتخب يحظى بالإعجاب خارج الحدود أمرًا يتجاوز حدود كرة القدم.

وكان رونالدو في قلب هذه المعادلة، لكنه أثار مشاعر متناقضة لدى الجمهور؛ فبينما اعتبره كثيرون مصدر فخر واعتزاز، انتقد آخرون فرديته واهتمامه المفرط بنفسه، ولم يجد الجميع أنفسهم في شخصيته.

ويوضح كويلو أن انتقاد رونالدو أصبح أكثر صعوبة مع مرور الوقت، لأن البرتغاليين أرادوا الشعور بالفخر تجاهه، حتى وإن شعر بعضهم بعدم الارتياح تجاه بعض تصرفاته.

من جانبه، قال اللاعب الدولي السابق خورخي أندرادي إن بعض المشجعين كانوا يفضلون شخصيات مثل فيجو وأوزيبيو وباولو فوتري وروي كوستا، لكن ذلك لم يمنع البرتغال من الشعور بالفخر بامتلاك لاعب بحجم رونالدو، ومع تحقيق البطولات تراجعت مساحة الشكوك تدريجيًا.

يورو 2016.. التحول إلى قائد حقيقي

شهدت فترة المدرب فرناندو سانتوس عام 2016 تحولًا مهمًا في شخصية رونالدو، إذ أصبح أكثر تقبلًا للتعليمات الفنية، ووافق على اللعب كمهاجم صريح بجوار ناني، بعدما كان من الصعب عليه تقبل تغيير مركزه أو طريقة توظيفه داخل الملعب.

وبعد التعادل مع أيسلندا في المباراة الافتتاحية، أخبر رونالدو زميله ناني سرًا بأنه يثق في سانتوس، وبدأت غرفة الملابس ترى فيه قائدًا حقيقيًا للفريق.

وعقب إهداره ركلة جزاء أمام النمسا، قضى رونالدو ليلة شبه خالية من النوم، وعندما استيقظ سانتوس في اليوم التالي، وجده مستيقظًا بالفعل.

وخلال معسكر المنتخب في ماركوسي، حصل رونالدو على مكبر صوت من أحد المشجعين، ووجه رسالة للجماهير مؤكدًا أن البرتغال لم تحقق أي شيء بعد، في إشارة إلى رغبته في الحفاظ على تركيز الجميع حتى نهاية البطولة.

وفي نهائي باريس أمام فرنسا، اضطر رونالدو إلى مغادرة الملعب باكيًا بعد تعرضه للإصابة، بعدما عانى من مشكلة عضلية منعته من تقديم أفضل مستوياته خلال البطولة.

وتولى ناني حمل شارة القيادة بعد خروجه، لكن رونالدو استعاد تماسكه بين شوطي المباراة، وبدأ في تشجيع زملائه وتحفيزهم.

وقبل انطلاق الوقت الإضافي، ورغم معاناته من الإصابة، اقترب من إيدير وأخبره بأنه سيسجل هدف الفوز، وهو ما تحقق بالفعل، بعدما أحرز المهاجم البرتغالي هدفًا تاريخيًا منح بلاده لقبها الأوروبي الأول.

لكن غريزة رونالدو القديمة لم تختفِ تمامًا، إذ ظل واقفًا في المنطقة الفنية خلال الوقت الإضافي، يوجه التعليمات إلى زملائه، حتى اضطر الحكم الرابع إلى مطالبته بالعودة إلى مكانه.

واعتبر بعض المدربين الذين تحدث معهم كاتب التقرير أن هذا التصرف كان مبالغًا فيه، لكنه عكس في الوقت نفسه أبرز صفات رونالدو، وهي رغبته الدائمة في التأثير على نتيجة كل مباراة، حتى عندما لا يكون داخل الملعب.

من منتخب يبحث عن لقب إلى قوة كروية كبرى

عندما خاض رونالدو مباراته الدولية الأولى عام 2003، كانت البرتغال لا تزال تبحث عن لقبها الكبير الأول.

فهناك لاعبون يتركون بصمة في حقبة معينة، وهناك آخرون يغيرون تاريخ المنتخب الوطني بالكامل، ورونالدو ينتمي إلى الفئة الثانية.

ففي ليلة يوليو 2016، قاد المنتخب البرتغالي إلى أول لقب في تاريخه ببطولة كأس الأمم الأوروبية.

وبعدها بثلاث سنوات، سجل ثلاثية في شباك سويسرا، ليقود بلاده إلى نهائي النسخة الأولى من دوري الأمم الأوروبية، التي نجحت البرتغال في التتويج بلقبها.

وفي عام 2025، رفع رونالدو لقب دوري الأمم الأوروبية للمرة الثانية في مسيرته، في عمر تجاوز فيه معظم لاعبي كرة القدم مرحلة الاعتزال.

ولا يوجد لاعب سجل أهدافًا دولية أكثر منه، كما أنه الأكثر مشاركة بقميص المنتخب البرتغالي عبر التاريخ.

وبفضل تأثيره، لم تعد البرتغال مجرد منتخب يمتلك مجموعة من المواهب المميزة، بل أصبحت فريقًا يدخل البطولات الكبرى وهو يطمح للمنافسة على اللقب، كما ساهم في تشكيل جيل كامل من اللاعبين الذين نشأوا داخل غرفة ملابس كان رونالدو يحدد معاييرها ومستوى الالتزام فيها.

ويؤكد كويلو أن دولة صغيرة مثل البرتغال وجدت من خلال رونالدو وسيلة لفرض حضورها على الساحة العالمية، بعدما ظل النجم البرتغالي وجهًا لبلاده على مدار عقدين من الزمن.

من سؤال حول أنانيته إلى سؤال عن اعتماد البرتغال عليه

بعد عام 2016، تغيرت طبيعة الأسئلة المتعلقة برونالدو؛ فلم يعد الجدل يدور بالدرجة نفسها حول أنانيته ورغبته في الاستحواذ على الأضواء، بل أصبح السؤال الأبرز هو: هل أصبحت البرتغال تعتمد عليه أكثر مما ينبغي؟

وفي كأس العالم 2018، سجل رونالدو ثلاثة أهداف في شباك إسبانيا، من بينها ركلة حرة جاءت بعد 45 محاولة في البطولات الكبرى، لكن ذلك لم يمنع خروج البرتغال أمام أوروجواي.

وبعد كأس العالم 2026 الصعبة، تصاعدت الانتقادات بسبب استمرار الاعتماد عليه في مركز المهاجم الصريح، رغم أن الأرقام تشير إلى أنه قدم خلال تلك الفترة أفضل معدلاته التهديفية.

ففي عهد المدرب روبرتو مارتينيز، سجل رونالدو 28 هدفًا خلال 37 مباراة، بمعدل 0.756 هدف في المباراة الواحدة، متفوقًا على معدله خلال فترة فرناندو سانتوس، الذي بلغ 0.624 هدف في المباراة.

نهاية لا تليق بمسيرة استثنائية

أعلن الاتحاد البرتغالي لكرة القدم تنظيم تكريم خاص لرونالدو تقديرًا لما قدمه للمنتخب الوطني طوال مسيرته، وهي خطوة ضرورية في ظل الطريقة التي انتهت بها رحلته الدولية، والتي لم تمنح الجماهير الفرصة للاحتفال برحيله بالطريقة التي كانوا يتمنونها.

فلم يكن البرتغاليون مجرد مشجعين شاهدوا رونالدو يكبر أمام أعينهم، بل كان هو من قادهم إلى أماكن لم يسبق لهم الوصول إليها، ومنح بلادهم لحظات تاريخية ستظل حاضرة في ذاكرة أجيال كاملة.

ولهذا، فإن نهاية مسيرة رونالدو الدولية قد تكون مريرة، لكن إرثه مع البرتغال سيظل أكبر بكثير من الطريقة التي غادر بها.



إقرأ المزيد