عقود من الانتظار تضع عملاء العقارات فى مواجهة المطورين
جريدة الشروق -

عفاف عمار
نشر في: السبت 15 أغسطس 2026 - 5:22 م | آخر تحديث: السبت 15 أغسطس 2026 - 5:22 م

• مطورون: المتغيرات الاقتصادية فى السنوات الأخيرة شكلت ضغوطا على التكلفة والأسعار
• عملاء: ميزان العلاقة التعاقدية يميل إلى مصلحة المطور بـ«عقود إذعان»

تأتى توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى بتشكيل لجان لمراجعة أوضاع المشروعات العقارية الجارى تنفيذها، والتأكد من التزام الشركات بتسليم الوحدات للمشترين فى المواعيد المقررة، فى وقت يواجه فيه القطاع واحدة من أكثر أزماته تعقيدًا، مع تصاعد شكاوى العملاء من تأخر التسليم لسنوات، ووصول بعض الحالات إلى أكثر من عقد كامل.

تعليمات الرئيس جاءت تزامنا مع مناقشة مشروع قانون الاتحاد المصرى للمطورين العقاريين الذى اعلن عنه رئيس الوزراء فى محاولة لإيجاد إطار قانونى لضبط السوق العقارية.

وخلال السنوات الأخيرة، تحولت العلاقة بين شريحة من العملاء والمطورين من مجرد خلافات حول مواعيد التسليم إلى نزاعات ممتدة، تصاعدت حدتها على منصات التواصل الاجتماعى. مع مطالبة مشترين باسترداد حقوقهم فى الحصول على وحداتهم التى تعاقدوا عليها، وسددوا مقابلها أقساطًا لسنوات.

وتبرز فى السوق حالات لمشروعات تعاقبت على تطويرها أكثر من شركة، بينما ظل العملاء عالقين بين تغير المطورين وتراكم التأخيرات، وسط صعوبة فى تحديد الجهة المسئولة عن استكمال المشروع أو ضمان حقوق المشترين.

أكثر من 10 سنوات انتظار

إحدى الحالات التى تعكس حجم الأزمة مشروع فى الساحل الشمالى. ينتظر عملاؤه استلام وحداتهم منذ ما يزيد على 10 سنوات، وفقًا لمشترين تحدثوا عن تجربتهم، فيما تعاقبت على المشروع عدة شركات تطوير، لتظل حقوق العملاء وأموالهم معلقة وسط تغير الشركات المسئولة عن التنفيذ.

ولا تقتصر الأزمة على الحالات التى امتدت لأكثر من عقد، إذ توجد مشروعات أخرى تأخر تسليمها لنحو 5 سنوات عن المواعيد المتفق عليها، بينما يستمر العملاء فى سداد الأقساط المستحقة عليهم وفقًا للعقود المبرمة، رغم عدم حصولهم على الوحدات فى المواعيد المحددة.

حالة اخرى فى مشروع ساحلى تأخرت فى التسليم منذ ٥ أعوام مع التزام العملاء بالسداد، فى الوقت الذى طالب فيه المطور من العملاء استرداد أموالهم بزيادة ١٠٠٪ أو الحصول على الوحدة المتعاقدين بزيادة ٥٠٠٪ من قيمتهم بداعى ارتفاع الأسعار.

ويرى عملاء أن ميزان العلاقة التعاقدية يميل لمصلحة المطور، خصوصًا فى ظل ما يصفونه بـ«عقود إذعان» تتضمن التزامات واضحة على المشترى بشأن سداد الأقساط والغرامات عند التأخير، مقابل مرونة أكبر للمطور فى مواعيد التنفيذ والتسليم.

عميل يدفع.. ووحدة لا تستلم

المفارقة التى تواجه المشترين فى هذه الحالات أن الالتزام المالى لا يتوقف بالضرورة مع تأخر المشروع؛ فالعميل قد يجد نفسه مطالبًا بالاستمرار فى سداد الأقساط، فى الوقت الذى لا يملك فيه الوحدة التى دفع مقابلها، وقد اضطر فى بعض الحالات إلى الانتظار سنوات إضافية دون موعد نهائى واضح للتسليم.

ومع ارتفاع أسعار العقارات خلال السنوات الماضية، أصبح خروج العميل من المشروع أو استرداد أمواله أكثر تعقيدًا، إذ إن المبلغ الذى دفعه عند التعاقد لا يكفى للحصول على وحدة بديلة بالمواصفات نفسها فى السوق الحالية فى ظل ارتفاع الأسعار.

وفى المقابل، يرى مطورون أن الأزمة لا يمكن فصلها عن التطورات الاقتصادية الحادة التى شهدتها مصر خلال السنوات الماضية، والتى رفعت تكلفة تنفيذ المشروعات بصورة كبيرة، وأوجدت فجوة بين أسعار البيع التى تعاقد عليها المطورون فى سنوات سابقة والتكلفة الفعلية للتنفيذ حاليًا.

فقد الجنيه المصرى نحو ٢١٧٪ من مارس ٢٠٢٢ حتى الآن بفعل قرارات التعويم مع اندلاع الحرب الروسية ما ترتب عليها من خروج للأموال الساخنة من البلاد، وهو ما هوى بقيمة العملة المحلية وحدوث ارتفاعات متتالية فى أسعار الخامات ومواد البناء.

مطور: التعويم رفع التكلفة فوق هامش الربحية

قال أحد المطورين العقاريين، طلب عدم نشر اسمه، إن السوق تشهد بالفعل حالات تعثر لعدد من المطورين وعدم التزام بالمواعيد المحددة للتسليم، لكنه أرجع جانبًا من الأزمة إلى الظروف الاقتصادية التى مرت بها البلاد خلال السنوات الماضية.

وأوضح أن قرارات تحرير سعر الصرف أدت إلى قفزات كبيرة فى أسعار مدخلات البناء، لتتجاوز الزيادة فى بعض الحالات هامش الربحية الذى كان محسوبًا عند بيع الوحدات.

أضاف أن عددًا من الشركات باعت وحدات فى مراحل سابقة بأسعار أصبحت تكلفة تنفيذها الحالية أعلى منها، ما وضع المطور أمام معادلة صعبة: إما تحمل خسائر كبيرة لاستكمال التنفيذ أو البحث عن حلول لإعادة هيكلة المشروع وتمويل استكماله.

وأشار إلى أن ارتفاع أسعار الأراضى ومواد البناء وتكاليف العمالة والتمويل ساهم فى زيادة الضغوط على الشركات، خصوصًا المطورين الذين باعوا نسبة كبيرة من مشروعاتهم قبل موجات ارتفاع التكلفة.

لكن هذه الضغوط، فى المقابل، لا تلغى حقوق العملاء، خاصة فى الحالات التى تجاوز فيها التأخير المدد التعاقدية بصورة كبيرة، وهو ما يجعل تدخل الدولة أكثر إلحاحًا لضبط العلاقة بين طرفى العملية العقارية.

السوشيال ميديا تكشف حجم الأزمة

لم تعد شكاوى العملاء حالات فردية غير مرئية؛ إذ شهدت منصات التواصل الاجتماعى خلال الفترة الماضية تصاعدًا ملحوظًا فى حملات المشترين ضد بعض الشركات، حيث ينشر العملاء تفاصيل تعاقداتهم ومواعيد التسليم المتفق عليها، ويعرضون صورًا لمشروعات لم تكتمل رغم مرور سنوات على بدء البيع.

ويكشف هذا التصعيد عن تحول الأزمة من نزاعات فردية بين العميل والشركة إلى قضية أوسع تتعلق بثقة المستهلك فى السوق العقارية، وقدرة المطور على الوفاء بالتزاماته، ومدى حماية الدولة لحقوق المشترين.

تأتى أهمية اللجنة التى وجه الرئيس بتشكيلها، إذ إن مراجعة المشروعات لا تتعلق فقط بمعدلات الإنجاز، وإنما تمتد إلى معرفة موقف كل مشروع، والجهة المسئولة عن تنفيذه، وحجم المبيعات، والتزامات المطور تجاه العملاء، وقدرته الفعلية على استكمال الأعمال والتسليم، بحسب مصدر بغرفة التطوير العقارى.

يرى المطورون أن تحميل الشركات كامل الزيادات التى طرأت على تكلفة البناء قد يدفع بعض المشروعات إلى مزيد من التعثر، خاصة إذا كانت أسعار البيع المتعاقد عليها لا تغطى التكلفة الحالية.

توجيهات الرئيس لم تكن الاولى، حيث سبق واكد على ضرورة تنفيذ 30% على الأقل من المشروعات السكنية قبل طرحها للمواطنين، وذلك حرصًا من الدولة على حماية العملاء المشترين، وذلك فى أغسطس ٢٠٢١.

وفى ضوء ذلك ألزم قرار مجلس الوزراء فى يونيه ٢٠٢٢ جهات الولاية بإدراج «ضوابط بيع وحدات مشروعات التطوير العقارى لضمان حقوق المشترين» ضمن مستندات طرح مشروعات التطوير العقارى، وإدراجها ضمن ملاحق العقود المبرمة مع المطورين العقاريين

ألزمت قرارات مجلس الوزراء الشركات العقارية بفتح حساب بنكى مستقل للمشروع/المرحلة، يتم فيه إيداع وصرف كل ما يخص المشروع/ المرحلة من إيرادات ومصروفات، سواء كانت شيكات أو نقدًا فيما عدا الإنفاق على الخدمات والمرافق الأساسية خارج إطار المرحلة، وذلك بالنسبة للمشروعات ذات المساحة القصوى.



إقرأ المزيد